الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
102
مناهل العرفان في علوم القرآن
( ثالثا ) أن هذه الجملة على تسليم صحتها وصحة رواتها وكتابها الذي جاءت فيه . لا تدل على امتناع النسخ مطلقا . إنما تدل على امتناع نسخ شئ من شريعة المسيح فقط فشبهتهم على ما فيها . قاصرة قصورا بينا عن مدعاهم . 3 - شبهة العيسوية : يقول هؤلاء اليهود أتباع أبى عيسى الأصفهاني : لا سبيل إلى إنكار نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأن اللّه تعالى قد أيده بالمعجزات الكثيرة القاهرة ، ولأن التوراة قد بشرت بمجيئه ، ولا سبيل أيضا إلى القول بعموم رسالته ، لأن ذلك يؤدى إلى انتساخ شريعة إسرائيل بشريعته ، وشريعة إسرائيل مؤبدة ، بدليل ما جاء في التوراة من مثل : « هذه شريعة مؤبدة عليكم ما دامت السماوات والأرض » وإنما هو رسول إلى العرب خاصة . وعلى هذا فالخلاف بينهم وبين من سبقهم ، أن دعواهم مقصورة على منع انتساخ شريعة موسى بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وشبهتهم التي ساقوها متكافئة مع دعواهم هذه ، ويفهم من اقتصارهم على هذا أنهم يجوزون أن تتناسخ الشرائع سمعا ، فيما عدا هذه الصورة . وندفع شبههم هذه بأمرين : ( أولهما ) أن دليلهم الذي زعموه ، هو دليل العنانية والشمعونية من قبلهم ، ولقد أشبعناه تزييفا وتوهينا ، بالوجوه الستة التي أسلفناها آنفا . فالدفع هنا هو عين الدفع هناك ، فيما عدا الوجه الأول . ( ثانيهما ) أن اعترافهم بأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم رسول أيده اللّه بالمعجزات وجاءت البشارة به في التوراة ، يقضى عليهم لا محالة أن يصدقوه في كل ما جاء به ، ومن ذلك أن رسالته عامة ، وأنها ناسخة للشرائع قبله ، حتى شريعة موسى نفسه ، الذي قال فيه صلى اللّه عليه وسلم بخصوصه : « لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى »